يشهد قطاع الفضاء العالمي تحولاً جذرياً بفعل التقدم التكنولوجي، وتنامي دور القطاع الخاص، وتوسع التطبيقات الفضائية لخدمة البشرية في مجالات حيوية مثل الاتصالات، والمراقبة البيئية، والملاحة، والأمن والدفاع؛ ولكن هذا النمو المتسارع لا يخلو من تحديات كبيرة تقف عائقاً أمام تطور هذا القطاع الحيوي، واستدامته.

وأحد أبرز هذه التحديات هو تقادُم السياسات والتشريعات الفضائية، التي لا تزال تستند إلى اتفاقيات دولية تعود إلى حقبة الستينيات من القرن الماضي، عندما كان الفضاء حكراً على الحكومات. أمَّا اليوم؛ فقد تغير المشهد جذرياً مع دخول شركات تجارية، ومبادرات مدنية، ومشروعات استثمارية عابرة للحدود؛ الأمر الذي يتطلب إعادة صياغة المنظومة القانونية للفضاء؛ لتكون أكثر مرونة وحداثة تواكبان تطورات مثل التوسع في استخدام المدارات المنخفضة، وحقوق استخدام الأنظمة الفضائية ومسؤولياته، وحقوق الاستكشاف، وملكية الموارد الفضائية. وفي المقابل يواجه المدار الأرضي المنخفض ازدحاماً غير مسبوق نتيجة إطلاق آلاف الأقمار الصناعية سنوياً (يقدَّر عدد الأقمار الصناعية الفعالة في الفضاء حالياً بما يزيد على 10 آلاف) خاصة مع ظهور الكوكبات الضخمة (Mega Constellations). كما يزيد هذا التكدُّس من مخاطر التصادم، وتراكم الحطام الفضائي الذي يهدد سلامة العمليات المدارية؛ ولذلك أصبح من الضروري تبني ممارسات مسؤولة لإدارة الحطام الفضائي؛ وتطوير تقنيات متقدمة لإزالته، إلى جانب تعزيز التنسيق الدولي لضمان الاستخدام الآمن والمستدام للفضاء. ومن زاوية أخرى تبرز فجوة واضحة في قدرة الدول النامية على الدخول في السباق الفضائي، نتيجة محدودية الموارد، أو ضعف البنية التحتية العلمية، وبناءً على ذلك يتطلَّب سد هذه الفجوة جهودًا دولية تدعم نقل المعرفة، وبناء القدرات، وتمكين الشراكات التي تعزز التكامل الفضائي العالمي، وتحقق توازناً أفضل في الاستفادة من الفضاء لجميع الدول.

ومع تزايد الاعتماد على الفضاء في الشؤون المدنية والعسكرية باتت المخاوف من عسكرة الفضاء حاضرة بقوة، خاصة مع تنامي قدرات بعض الدول على تعطيل أقمار صناعية، أو تدميرها؛ ما يحتم إبرام معاهدات دولية جديدة تحمي الفضاء بصفته مجالاً مشتركاً للاستخدام السلمي، وتمنع تحوله ساحة صراع مسلح بين الدول ذات الخلافات السياسية.

ولا يقل أهمية عن كل ما سبق التحدي المتعلق بندرة الكوادر البشرية المؤهلة في مجالات الفضاء، من هندسة الأقمار إلى تحليل البيانات الفضائية؛ فمع توسع الأنشطة الفضائية وتنوعها، يظل العرض محدودًا، ما يفرض الحاجة إلى الاستثمار في التعليم والتدريب الفضائيين، وإطلاق برامج أكاديمية تسهم في بناء جيل جديد من المتخصصين القادرين على قيادة القطاع الفضائي إلى آفاق أرحب.

وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول القليلة التي لديها قانون وتشريعات فضائية حديثة تنظم الأنشطة الفضائية عامة، بما فيها الأنشطة الحديثة، أو المستقبلية، مثل حقوق الموارد الفضائية واستخدامها، إضافة إلى السياحة الفضائية، فضلًا عن حضورها القوي على الساحة الفضائية العالمية، ودورها الإيجابي في كثير من اللجان والفرق الخاصة بالاستخدام السلمي للفضاء. ولذلك تعَد دولة الإمارات نموذجًا عمليًّا في صياغة مستقبل فضائي مستدام. الخلاصة: يشكل الفضاء مجالاً ضرورياً واعداً للبشرية، ولكنه في الوقت نفسه ميدان حساس يتطلب توازناً دقيقاً بين الطموح والمسؤولية؛ فتجاوُز التحديات الحالية ليس خياراً، بل ضرورة لضمان بقاء الفضاء مفتوحاً وآمناً ومتاحاً لخدمة الأجيال المقبلة.

د/ محمد الأحبابي*

 عضو اللجنة الاستشارية بمركز علوم الفضاء في جامعة نيويورك أبوظبي.